الأمسيّة الشعريّة الأمازيغيّة الأولى بطرابلس
الرئيسية – ليبيا في الاعلام
موقع الوطن الليبية
Sep 27, 2008
: ليبيا، إشعاعٌ حضاريٌّ على مدى التاريخ
موقع الوطن الليبية (القذافي اليوم سابقا): أقيمت ليلة الأربعاء، الرابع و العشرون من شهر سبتمبر، الموافق الخامس عشر من رمضان أمسية شعريّة برعاية ( رابطة شباب جادو )، و ذلك في باحة فندق ( زمّيط )، بمشاركة مجموعة من الشعراء الأمازيغ، في أولى مبادرةٍ من نوعها تحدث في مدينة طرابلس، إذ سبق تنظيم مهرجانات و أمسياتٍ شعريّة و فنيّةٍ في جبل نفوسة و زوارة، خلال السنوات القليلة الماضية.
قام بتقديم الأمسيّة الشاعر الشاب ( صلاح انقاب )، إذ بدأت الأمسية بكلمةٍ هذا نصّها : (( مذ بدأ الإنسان الكلام، قبل أن يفكّر في الكتابة أو توثيق ما يتحدّث به، و قبل أن يخترع الأحرف، كان الشعر يحوي داخله القصّة، الأسطورة بل و كلّ معطيات الواقع الإنسانيّ، الشعر مرسومٌ ثقافيٌّ يعبّر عن حالة المجتمع، ليمثّل شكله، هيئته و كينونته، فارتباط الشعر بشخصيّة المجتمع ارتباطٌ وثيقٌ، منه كانت الأغنيّة، الأهازيج و الرقصات، و لطالما كان تألق الشعر دليلاً على الازدهار العمراني و الاقتصادي، بل و ازدهار كلّ معطيات فنون الحياة.
إن ذاكرة المجتمع لا يمكن الإطّلاع عليها إلا عبر ما يتمّ تواتره من شعرٍ بالدرجة الأولى، فكانت الإليادة و الأوديسا، الماهابهارتا و الرميانا الهندية، ملحمة جلجامش البابلية، شعر المعلّقات العربيّة، بل أن شاعريّة النص كان من أساسيّات الخطاب القرآني في تجسيدٍ لأهميّة جاذبيّة و عذوبة اللغة في إيصال روح الفكرة و عصارة التجربة.
لا يمكن الحديث عن الشعر الأمازيغي دون الحديث عن الأدب و أصنافه في عموم شمال إفريقيا، و الذي يدّل على أصالة هذا الشعر، فالذاكرة الشفهيّة غنيّةٌ بمخزونٍ ضخمٍ من الروايات و الأساطير، و التي برز عبرها كتّاب كترنس الإفريقي صاحب مسرحية الخصيّ، لوكيوس أبوليوس صاحب رواية الحمار الذهبي و دفاع صبراتة، رغم كون هذه الأسماء لا تمثّل قيمة الأدب لأنها تزامنت و عصور التوثيق، بينما يبقى الأدب الشفهي هو مخزون ثقافة المجتمع الأكثر وضوحاً، و يبقى الشعر هو المرآة التي تعكس بيئة هذه الثقافة )).
هذا و قامت اللجنة الشرفة على الأمسية بطباعة كتيّباتٍ تحوي جل النصوص التي تم إلقائها مكتوبةً باللغة الأمازيغية بالحرفين النبطي ( العربي ) و التيفيناغ، مرفقاً بنص ترجمةٍ، وكانت أولى النصوص للشاعر ( عيسى أبو ديّة ) بعد الوقوف لقراءة الفاتحة على فقيدي الشعر الليبي المرحوم ( بلقاسم أبوديّة ) الذي وافته المنيّة قبل عامين، و المرحوم ( على صدقي عبد القادر) و الذي وافاه الأجل في أوائل الشهر الكريم، و كانت القصائد بعنوان :
أدفل ( الثلج )، أبريد ( الطريق )، تيواتريوين ( أدعية ) و قد قام بقراءة النص ( عادل أبو ديّة ) و قصيدة أدبير ( اليمام ) و التي قام ( المنصوري ) بقراءتها، و الشاعر يعتبر من أهم شعراء الجبل، إذ يملك دواوين متعدّدة باللغتين العربيّة و الأمازيغيّة، كما هو حال قصائد باللغة الليبيّة المحكيّة ( اللهجة الليبيّة )، و قد قام الشاعر في منتصف الأمسية و قام بقراءة قصيدتين أحدها بالعاميّة تتحدث بشاعرية بالغة في الروعة عن تاريخ المدينة القديمة و عادات سكّانها، و قصيدةٍ أخرى بالأمازيغية بعنوان ( تيسّي ) بناتي قدّم مقتطفات منها باللغات العربية، الإنجليزيّ، الفرنسيّة، الألمانيّة، البولندية و السواحيليّة.
و تقدّم الى منصة الإلقاء المحامي ( نجيب قايد ) ليقوم بقراءة نص من أشعار المرحوم سعيد سيفاو المحروق، و هو نص أمارير ( المغنّي العاشق )، و ذلك بعد أن قدم مقدّمة تحدّث خلالها عن قيمة الشاعر الفكريّة، و نضاله ضد المرض و الموت لما يفوق عقداً من الزمن، و قد أضاف الفنان المسرحي ( علي دعدوش ) جملاً تحدّث عبرها عن تجربته الخاصة و المرحوم، حيث تحدّث عن كونه كان يكابر على نفسه رغم إصابته بالشلل، و كان يداوم على حضور كل العروض المسرحيّة في حينها.
و كان الصوت الثالث هو صوت الدكتور ( عبد الله بيالة )، و هو من مخضرمي شعراء الجبل، و تذكر أحد الحضور قصيدة الشاعر ( صباح الخير صباح النور، أنفوسي يروّح يكَّور ) و قام بالقاءها على مسامع الحضور، قبل أن يقوم الشاعر بقراءة نصٍ أول في قصيدةِ باللغة العربيّة في مدح الرسول، تليها قصيدةٌ عن قصرٍ من قصور البل باللّغة العاميّة، لينقلنا الى قصيدةٍ أخيرة بعنوان ( أزميرم ) المرشد، في رحلةٍ جميلة عبّر خلالها عن تكوينة مجتمعنا الليبي، أو كما قال مقدّم البرنامج ( كلّنا ليبيّون بالوطن ).
و توافقاً مع الشهر الكريم قامت مجموعةٌ من شباب الحضور بتقديم وصلةٍ ( كوراليّة ) في موشح من الموشّحات التقليديّة في جبل نفوسة، و هو موشّح ( زالّوت أف النبي ) صلّوا على النبي، قام بإضفاء لمسةٍ روحيّةٍ زادت الأمسية شاعريّة و حُسناً.
ثم قام الشاعر الشاب ( صلاح انقاب ) ” مقدّم البرنامج ” بسرد نصوصه الشعريّة و هي نصوص بعناوين ( تاخرتيلت ن بوشل ) حلم صبي ” قصيدتان “، ( تزالّيت ) صلاة، ( يلّي مارن ) ابنتي مارن، ( سليلو آ يمّا ) زغردي أمّاه، و تحدّث الشاعر في مقدّمة قصائده عن تأثره بتجربة المرحوم سعيد المحروق الشعريّة، و تحدّث عن ميله الى مدرسة الشعر الكلاسيكي الفصيح بالأمازيغيّة حيث يقوم بالانتقال عبر اللهجات النفوسيّة و الأمازيغيّة في عمومها، في حال فرضت القافيّة أو عدم وجود لفظ أمازيغي يناسب النص بلهجته ( الجادويّة ) المتأثرة ببعض الكلمات العربيّة المأمزغة.
الشاعر الخامس كان ( حسين المنصوري ) و الذي قدّم قصيدة بعنوان ( تاوالت ) كلمة، و هو نصٌ قصيرٌ لكنّه جميلٌ جداً يحوي داخله فلسفةً و معانٍ دفينةٍ، نحدّث عبرها الشاعر عن حياة الإنسان و الأسئلة صعبة الإجابة التي تدور في خلده تجعله يتخبّط ما لم يجد دليلاً يهديه، في شاعريّة جميلةٍ، و قد اعتذرت اللجنة المشرفة ” على لسان مقدّم البرنامج ” عن عدم إدراج أشعار كلّ من الدكتور ( عبد الله بيالة )، و ( حسين المنصوري ) ضمن نصوص الكتيّب و ذلك لأسباب فنيّة.
في ختام الأمسية تقدم الفنان ( باديس غزال ) و الفنان ( سيفاو تواوا ) بتقديم مقاطع موسيقيّة على آلة القيثارة، و هي من نصوص المرحوم سعيد المحروق أغنية بعنوان ( أمسناو ) الحكيم، و قد كانت موسيقى الأغنية تتوافق و موسيقى المكان، حيث أن الفندق ( فندق زميط ) ليس سوى عبارة عن لوحةٍ فنيّة تملأها الزخارف و الصور الجميلة، بالإضافة الى موقعه المتميّز جوار قوس ” ماركوس أبوليوس “، خلف ” الساري الحمراء ” يطل على مدينة طرابلس القديمة الجميلة، و التي استقبلت أبناء الجبل و أحسنت استضافتهم.